أزمات الفكر والوعي، نتاجها التطرف

أزمات الفكر والوعي، نتاجها التطرف
| بواسطة : admin | بتاريخ 7 مايو, 2019

فعاليات لا يزال يذهب ضحيتها أبرياء وتبقى الأبواب مشرعة للتساؤلات الحارقة بشأن دوافعها وخفاياها ومن يقف وراءها. عمليات إرهابية بشعة ومشاهد تقشعر لها الأبدان في عصر بدا ظلامياً وقاسياً وكأنه سهل إلى نهايات مؤسفة. المرأى الراهن ينتابه البؤس والخيبة والحزن لأن الصورة لمشاهد باتت أكثر دموية ومأساوية. أكثرية ملامحها ينهشها القساوة العليل ولا شيء غير القساوة. رائحة الوفاة والبارود ومشاهد الدماء وأشلاء الجسامين، كلها صور مخزية ومؤلمة في نفس التوقيت وترتكب باسم عوامل واهية. رأيناها في نيوزيلندا وسري لانكا وسنراها في أماكن أخرى. لم يعد استهداف الغرب أو غير المسلمين هو القصد بل اتجهت بوصلة القساوة لصدور المسلمين أنفسهم. أصبح من الصعوبة بمقر إستيعاب العزر لأفعال القساوة والتي تصبو إلى إفساد شكل مبادئ الشريعة والقيم والأخلاق وتقف مقابل إنسانية الإنسان وثمن الحياة. الغريب أن حال الكراهية عند هذه العقليات هي في أنها تقطن مثلما يحلو لها وتملي هي عليك ما تشاهده صحيحاً في العيش وأسلوب الحياة. وأفلام داعش لم تغب في أعقاب عن الذاكرة.

مصيبة وأزمة إدراك عميقة تعيشها شرائح متشددة وغير معتدلة ومتشددة في العديد من المجتمعات، لم نعد قادرين على المفاضلة بين ملة ذلك وجنس ذاك فقد اختلط الحابل بالنابل وبقي الإنسان هو الضحية في خاتمة المطاف. ذلك واقع يكشف وبجلاء عن نماذج لشخصية إنسان مأزوم، كونها تضاد كل ما يخالف ما اعتادت عليه. أزمة الإدراك لها أشكال مثلما يقول الكاتب باقر جاسم، وهما إدراك ذاتي مأزوم ووعي موضوعي حر. “فالوعي الذاتي المأزوم هو إدراك يتبع إلى الزمن الفائت. ويبني موثوقيته على إرجاع إصدار كلام متشنج وأصولي لا يعبأ بمتغيرات العصر وهكذا يعجز عن إستيعاب الواقع. في حين يستمد الإدراك الموضوعي الحر موثوقيته من صلته العميقة بالعصر ومتغيراته دون أن يغفل عن وجوب إدراك الزمن الفائت بسلبياته وإيجابياته، ولذلك فهو أكثر تمكُّن على معالجة قضايا الواقع”. الشخصية المأزومة تزرع الكراهية وتناصب العداء وتميل للتشاؤم والانعزال والتقوقع. لا تؤمن بالاختلاف وتحتكر الحقيقة المطلقة وتستنفر طاقتها لكل من لا يتفق معها بل وتهاجمه بوحشية حتى لو تطلب الشأن استعمال القساوة معه. تكرس الهيمنة والتباهي والإصرار على اليقينية ورفض الرأي الناقد واستهجان الرأي الآخر وكيل الاتهامات المبالغ فيها لمن يخالفها وذلك يرجع إلى بنيتها الفكرية إضافةً إلى النرجسية المتضخمة داخلها.

إذن المشكلة تكمن في آلية التفكير، ولهذا لا تتعجب من سلوك ممن يحملون تلك العقلية خصوصا في تعاملهم مع قضايا العصر، وتتمنى حقيقة الحالة الحرجة حيث تجد محيطها الأخلاق والوعي والاستيعاب، والسبب يكمن في معضلة التشدد والتشدد في الرأي إضافةً إلى شبق هذه الجماعات للسلطة والمادة وكأن الحياة تملك ما هي سوى ساحة للإشباع الأناني وإشباع الشهوات، ناهيك عن فئة أخرى قلوبها جامدة صلدة أرخصت مقدار الحياة وجمالياتها ومتعتها استناداً لقناعات ليست بالضرورة صحيحة. أمر لا يستسيغه الذهن عندما تستمع لما يقولونه وتقارنه بما يمارسونه من ممارسات. مشاهد لا تمت بصلة للإنسانية وموجعة ولكنه الواقع رغم كل الأوجاع والدموع والأوجاع ولكنها إجراءات الإنسان.

في وقت سابق أن أوضحت مراراً أن عدم تواجد الإدراك أو تغييبه هو أزمة مجتمعاتنا العربية ما دام إن الذهنية ما زالت تلامس القشور وتعيش في الزمن الفائت وتعيد إنتاجه. تلك المكابدة هي المدخل لاستقطاب المكونات واختراق أذهان الشبان وتجنيدهم. تجربة داعش مثال حي لهكذا عقلية بدليل مشروع جمهورية البغدادي التي تلاشت، وهكذا تصح عليها مشاهدة باقر حينما يوميء حتّى “الإدراك الذاتي المأزوم ما هو سوى غطاء للطموحات الشخصية والزعامات الكارزمية لأنه يقوم على فلسفة الشدة والغلبة وهي فلسفة تشاهد أن الشأن بحاجة إلى شخصية تتجسد فيها آمال الأمة، في حين يؤكد الإدراك الموضوعي الحر على أن الحركة الاجتماعية أضخم من الأفراد، وأن الحراك التاريخي للمجتمع يمر الأشخاص لأنه نتيجة وثمرة صيرورة اجتماعية معقدة “.

مأساة هؤلاء المأزومين سببها عدم حضور ثقافة التسامح والتعايش والتشبث بقناعات مؤدلجة، ما يجعلهم يتكبدون من عدم اتزان في الشخصية وهكذا غير متصالحين مع أنفسهم فأصبحت لهم حياة ولكنها معزولة عن الحياة. أليس ايضا!

كلمات دليلية

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة maan الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.